كريم نجيب الأغر

126

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وهذا المعنى تشهد له الآية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] فهي تشير إلى أن سلالة الإنسان - أي النطفة - شيء مهين ، أي حقير ، ضعيف ، قليل . جاء في لسان العرب « 1 » : « مهن : قال أبو إسحاق : هو فعيل من المهانة وهي القلة ، . . . وقوله عزّ وجلّ : خلق من ماء مهين ، أي من ماء قليل ضعيف » . كذلك فإن سياق النص القرآني لسورة الإنسان المذكور أعلاه ، يشير إلى أن الإنسان كان نطفة لفترة من الوقت قبل أن يصبح إنسانا ، لأن الآية التي تلي الآية المذكورة ، وهي : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [ الإنسان : 2 ] ، تذكر أيضا أن الإنسان خلق من نطفة . فالنص القرآني يتكلم على العموم عن النطف ، وبالتالي علينا أن نفسر الآية حسب ما يمليه السياق . فإذا أيقنّا بأن الإنسان كان لفترة من الوقت نطفة قبل أن يتخلق ، فهمنا عند ذلك أنه وضع وديعة تحفظ في مكان ما ، لحين من الدهر ، قبل أن يخلقها اللّه تعالى إنسانا ، وهذا لا يكون إلا في المستودع قبل أن يخرج . فإذا جمعنا معنى الآيتين السابقتين : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] و وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [ الأنعام : 98 ] ، يصبح المعنى هكذا : لقد مرّ على كل إنسان فترة من الوقت قريبة كان شيئا لا يذكر لحقارته ومهانته محفوظا في مستودع قبل أن يخلقه اللّه تعالى إنسانا « 2 » .

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « مهن » - ( ج 13 / ص 212 ) . ( 2 ) قد يتساءل بعض القرّاء : كيف يصح أن نقول إن الآية وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [ الأنعام : 98 ] تشير إلى أن الإنسان وضع في مستودع والحال أنه لم يتكوّن بعد وذلك لعدم اختلاط النطفتين ؟ ، كذلك فإن الخصية والمبيض عضوان يحمل كل منهما جزءا من الإنسان ( أي نطفة الرجل ونطفة المرأة ) فكيف يصح أن تطلق اسم « المستودع » على الإنسان ، والإيداع هو للنطف وليس للإنسان ؟ . نقول - وبالله التوفيق - : إن نطفة الرجل ونطفة المرأة هما بمثابة « مشروع » لإنسان ، وبالتالي فإن الخصية والمبيض مستودعان للأجزاء التي ستؤدي مآلا إلى خلق إنسان ، وهذا ضرب من المجاز باعتبار ما سيكون ، كما في الآية : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [ يوسف : 36 ] ، فالرجل كما تعلمنا الآية يرى أنه يعصر عنبا سيتحول إلى خمر فيما بعد ، وقد أطلق على العنب اسم الخمر مجازا باعتبار ما يؤول إليه ( أصول الفقه الإسلامي ، د . إبراهيم السلقيني ، الفصل الأول ، التقسيم الأول للفظ باعتبار الاستعمال ، ص 239 ) ، وبالتالي يصحّ عندئذ أن نطلق على الخصية أو المبيض اسم « المستودع » . وعلى كلّ حال فإن الآية رقم 98 من سورة الأنعام جاءت بصيغة النكرة : فهناك مستودع ، ولم تحدد الآية أن المستودع هو للإنسان ككائن مكتمل ، أو للأجزاء التي ستكوّن